سيد محمد طنطاوي

391

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يقال : كل مولود ولدته أنثى ، عصى اللَّه فيه ، بتسميته بما يكرهه اللَّه ، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه اللَّه ، أو بالزنا بأمه ، أو بقتله أو وأده ، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى اللَّه بفعله به أو فيه ، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه ، من ولد ذلك الولد له أو منه ، لأن اللَّه لم يخصص بقوله : * ( وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ ) * معنى الشركة فيه ، بمعنى دون معنى ، فكل ما عصى اللَّه فيه أو به ، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة . . . » « 1 » . وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله : وهذا الذي قاله - ابن جرير - متجه ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « يقول اللَّه - عز وجل - إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » . وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال : باسم اللَّه اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا » « 2 » . وقوله : * ( وعِدْهُمْ ) * أي : وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة الكاذبة . كأن تعدهم بأن الدنيا هي منتهى آمالهم . فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاؤوا ، بدون تقيد بشرع أو دين أو خلق . وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو ثواب أو عقاب ، أو جنة أو نار . . . وقوله سبحانه * ( وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) * تحذير من اللَّه تعالى لعباده من اتباع الشيطان ، ومن السير وراء خطواته . وأصل الغرور تزين الباطل بما يوهم أنه حق . يقال : غر فلان فلانا فهو يغره غرورا إذا خدعه ، وأصله من الغرّ ، وهو الأثر الظاهر من الشيء ، ومنه غرة الفرس لأنها أبرز ما فيه . ولفظ * ( غُرُوراً ) * صفة لموصوف محذوف . والتقدير : وعدهم - أيها الشيطان - بما شئت من الوعود الكاذبة ، وما يعد الشيطان بني آدم إلا وعدا غرورا . ويجوز أن يكون مفعولا لأجله فيكون المعنى : وما يعدهم الشيطان إلا من أجل الغرور والمخادعة . وفي الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إهمالا لشأن الشيطان ، وبيانا لحاله مع بني آدم حتى يحترسوا منه ويحذروه .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 83 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50 .